خليل الصفدي

45

أعيان العصر وأعوان النصر

الحديد البارد قلبه القاسي ، ومات في عقوبته جماعة ، ولم يخن سوء الذكر ولا سماعه ، إلّا أنه كان فيه مع ذلك خدمة ورياسة ، ومخادعة لأرباب الجاه وسياسة ، يقال إنه قتل ولده بالمقارع ، وألقاه على القوارع ؛ لشراب أخذ منه نشوته ، وكشف بها الستر حشوته . ولما جاء الأمير سيف الدين طشتمر « 1 » إلى صفد نائبا ، وقع بينه وبينه ، وصار لا يسمع منه ولا يخضع له ، ويترفّع عليه ، وإذا شفع في أحد عنده لا يقبل منه ، وإذا علم أن الفلاح من جهته أو من جهة مماليكه قتله بالمقارع ، إلى أن يموت ، فضاق عطن طشتمر منه ، وكظم غيظه ، وصبر له إلى أن أمسك الأمير سيف الدين تنكز ، فما ظن أن ابن الكركري ولا غيره ، إلّا أنه يشنقه في أول وهلة ، فلم يظهر له منه بعد تنكر تنكز ، وتوجه طشتمر عقيب ذلك إلى باب السلطان ، فأعطاه نيابة حلب « 2 » فباس الأرض ، وطلب ابن الكركري من السلطان ليكون عنده في حلب مشدا ، فوافقه السلطان على ذلك ؛ لأنه كان يتحقق منه الأمانة ، والعفة عن مال الرعايا ، ولم يزل بحلب إلى أن هرب طشتمر منها - على ما سيأتي في ترجمته - فما وفى له ابن الكركري ، ومال عليه ، ولما عاد طشتمر من البلاد الرومية اعتقله ، وتوجه إلى دمشق ، وتوجه منها إلى مصر ، وجرى ما جرى من قتلة طشتمر ، ثم إن ابن الكركري خلص بعد موت طشتمر من الاعتقال ، وبقي بطالا ، فحضر إلى دمشق في أيام الأمير سيف الدين طقزتمر ، ورتّب له راتبا على الأموال الديوانية ، ثم إنه رتّب في شد الدواوين بدمشق ، وهو بلا إمرة ، فأقام على ذلك قليلا ، وجهّز إلى حمص مشدا ، ثم إلى صفد مرارا كثيرة . وباشر ولاية مدينة دمشق مدة بعد إقطاع ، ثم طلبه الأمير شهاب الدين أحمد نائب صفد ؛ لشد صفد ، فجهز إليها فأقام قليلا ، وكان ذلك في سنة تسع وأربعين في الطاعون ، فتوهّم الناس أنه يموت بها ، فطلبه الأمير بدر الدين مسعود من السلطان أن يكون مشدا عنده بطرابلس على عشرة قد انحلت عنده ، فرسم له بالتوجه إليها ، فأقام بها قريبا من شهر ، وجاءه القضاء الذي لا تحمى منه الحصون ، ولا يرى در حي دونه وهو مصون .

--> ( 1 ) أورد له المصنف ترجمة . ( 2 ) حلب : مدينة عظيمة واسعة كثيرة الخيرات طيبة الهواء صحيحة الأديم والماء ، وسميت حلب لأن إبراهيم عليه السّلام كان يحلب فيها غنمه ويتصدق به ، وفي البلد جامع وست بيع ومستشفى صغير والفقهاء يفتون على مذهب الإمامية . وفي وسط حلب دار علوة صاحبة الشاعر البحتري وفي حلب شعراء كثر منهم الشاعر أبو الفتح بن أبي حصينه ومن جملة شعره قوله : ولما التقينا للوداع ودمعها . . ودمعي يفيضان الصبابة والوجودا بكت لؤلؤا رطبا ففاضت مدامعي . . عقيقا فصار الكل في نحرها عقدا . ( انظر : معجم البلدان : 2 / 282 ) .